محمد بن جرير الطبري
57
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
ماله ؟ فقرا هذه الآية : لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ إلى وَآتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ إلى آخرها . ثم قال : حدثتني فاطمة بنت قيس أنها قالت : يا رسول الله إن لي سبعين مثقالا من ذهب ، فقال : " اجعليها في قرابتك " . حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا يحيى بن آدم ، عن شريك ، قال : ثنا أبو حمزة فيما أعلم عن عامر ، عن فاطمة بنت قيس أنها سمعته رسول الله يقول : إن في المال لحقا سوى الزكاة . حدثني يعقوب بن إبراهيم ، قال : ثنا ابن علية ، عن أبي حيان ، قال : حدثني مزاحم بن زفر ، قال : كنت جالسا عند عطاء ، فأتاه أعرابي فقال له : إن لي إبلا فهل علي فيها حق بعد الصدقة ؟ قال : نعم قال : ماذا ؟ قال : عارية الذلول ، وطروق الفحل ، والحلب . حدثني موسى بن هارون ، قال : ثنا عمرو بن حماد ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي ، ذكره عن مرة الهمداني في : وَآتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ قال : قال عبد الله بن مسعود : تعطيه وأنت صحيح شحيح تطيل الأَمل وتخاف الفقر . وذكر أيضا عن السدي أن هذا شيء واجب في المال حق على صاحب المال أن يفعله سوى الذي عليه من الزكاة . حدثنا الربيع بن سليمان ، قال : ثنا أسد ، قال : ثنا سويد بن عبد الله ، عن أبي حمزة ، عن عامر ، عن فاطمة بنت قيس ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " في المال حق سوى الزكاة " وتلا هذه الآية : لَيْسَ الْبِرَّ إلى آخر الآية حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا جرير ، عن منصور ، عن زبيد اليامي ، عن مرة بن شراحيل ، عن عبد الله في قوله : وَآتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ قال : أن يعطي الرجل وهو صحيح شحيح به يأمل العيش ويخاف الفقر . فتأويل الآية : وأعطى المال وهو له محب حريص على جمعه ، شحيح به ذوي قرابته فوصل به أرحامهم . وإنما قلت : عنى بقوله : ذَوِي الْقُرْبى ذوي قرابة مؤدي المال على حبه للخبر الذي ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من أمره فاطمة بنت قيس ، وقوله رسول الله صلى الله عليه وسلم حين سئل : أي الصدقة أفضل ؟ قال : " جهد المقل على ذي القرابة الكاشح " . وأما اليتامى والمساكين فقد بينا معانيهما فيما مضى . وأما ابن السبيل فإنه المجتاز بالرجل . ثم اختلف أهل العلم في صفته ، فقال بعضهم : هو ابن السبيل الضيف من ذلك . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر بن معاذ ، قال : ثنا يزيد قال : ثنا سعيد ، عن قتادة : وَابْنَ السَّبِيلِ قال : هو الضيف قال : قد ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان يقول : " من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليسكت " قال : وكان يقول : " حق الضيافة ثلاث ليال ، فكل شيء أضافه بعد ذلك صدقة " . وقال بعضهم : هو ابن السبيل المسافر يمر عليك . ذكر من قال ذلك : حدثنا سفيان بن وكيع ، قال : ثنا أبي ، عن سفيان ، عن جابر ، عن أبي جعفر : وَابْنَ السَّبِيلِ قال : المجتاز من أرض إلى أرض . حدثني المثنى ، قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا عبد الرزاق ، عن معمر ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد وقتادة في قوله : وَابْنَ السَّبِيلِ قال : الذي يمر عليك وهو مسافر . حدثني المثنى ، قال : ثنا سويد بن نصر ، قال : أخبرنا ابن المبارك ، عمن ذكره ، عن ابن جريج ، عن مجاهد وقتادة مثله . وإنما قيل للمسافر ابن السبيل لملازمته الطريق ، والطريق هو السبيل ، فقيل لملازمته إياه في سفره ابنه كما يقال لطير الماء ابن الماء لملازمته إياه ، وللرجل الذي أتت عليه الدهور ابن الأَيام والليالي والأَزمنة ، ومنه قول ذي الرمة : وردت اعتسافا والثريا كأنها * على قمة الرأس ابن ماء محلق وأما قوله وَالسَّائِلِينَ فإنه يعني به : المستطعمين الطالبين . كما : حدثني المثنى ، قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا ابن إدريس ، عن حصين ، عن عكرمة في قوله : وَالسَّائِلِينَ قال : الذي يسألك . وأما قوله : وَفِي الرِّقابِ فإنه يعني بذلك : وفي فك الرقاب من العبودة ، وهم المكاتبون الذين يسعون في فك رقابهم من العبودة بأداء كتاباتهم التي فارقوا عليها ساداتهم . القول في تأويل قوله تعالى : وَأَقامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذا عاهَدُوا يعني تعالى ذكره بقوله : وَأَقامَ الصَّلاةَ أدام العمل بها بحدودها ، وبقوله : وَآتَى الزَّكاةَ أعطاها على ما فرضها الله عليه . فإن قال قائل : وهل من حق يجب في مال إيتاؤه فرضا غير الزكاة ؟ قيل : قد اختلف أهل التأويل في ذلك ، فقال بعضهم : فيه حقوق تجب سوى الزكاة واعتلوا لقولهم ذلك بهذه الآية ، وقالوا : لما قال الله تبارك وتعالى : وَآتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبى ومن سمى الله معهم ، ثم قال بعد : وَأَقامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكاةَ علمنا أن المال